القرطبي

193

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بدر : لو كنت معكم الان ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب ( 1 ) الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمتري . رواه عقيل عن الزهري عن أبي حازم سلمة بن دينار . قال ابن أبي حاتم : لا يعرف للزهري عن أبي حازم غير هذا الحديث الواحد ، وأبو أسيد يقال إنه آخر من مات من أهل بدر ، ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره . وفي صحيح مسلم من حديث عمر ابن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فأستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من الاسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " [ الأنفال : 9 ] ( 2 ) فأمده الله تعالى بالملائكة . قال أبو زميل ( 3 ) : فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ يسمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، ( 4 ) فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه [ كضربة السوط ] ( 5 ) فأخضر ذلك أجمع . فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة ) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . وذكر الحديث . وسيأتي تمامه في آخر " الأنفال " ( 6 ) إن شاء الله تعالى . فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور ، والحمد لله . وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم ) ؟ فقال جبريل : ( يا محمد ما كل أهل السماء أعرف ) . وعن علي رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمتح ( 7 ) من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط ، ثم ذهبت ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت

--> ( 1 ) الشعب ( بالكسر ) : الطريق في الجبل . ( 2 ) راجع ج 7 ص 370 . ( 3 ) أبو زميل ( بالتصغير ) هو سماك بن الوليد . ( تهذيب التهذيب ) . ( 4 ) حيزوم : اسم فرس من خيل الملائكة . ( 5 ) زيادة عن صحيح مسلم ، واخضر بأسود ؟ . ( 6 ) ج 8 ص 48 . ( 7 ) متح : جذب الدلو من البئر مستقيما ، والماتح : المستقى .